ابن قتيبة الدينوري
43
تأويل مشكل القرآن
والإشباع ، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام ، وحمله المتعلمين على المركب الصعب ، وتعسيره على الأمة ما يسره اللّه ، وتضييقه ما فسحه . ومن العجب أنه يقرئ الناس بهذه المذاهب ، ويكره الصلاة بها ! ففي أي موضع تستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها ؟ ! وكان ابن عيينة « 1 » يرى لمن قرأ في صلاته بحرفه ، أو ائتم بقراءته : أن يعيد ، ووافقه على ذلك كثير من خيار المسلمين منهم بشر بن الحارث « 2 » وأحمد بن حنبل . وقد شغف بقراءته عوامّ الناس وسوقهم ، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها وصعوبتها ، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها ، فإذا رأوه قد اختلف في أمّ الكتاب عشرا ، وفي مائة آية شهرا ، وفي السبع الطّول حولا ، ورأوه عند قراءته مائل الشّدقين ، دارّ الوريدين ، راشح الجبينين - توهّموا أن ذلك لفضيلة في القراءة وحذق بها . وليس هكذا كانت قراءة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولا خيار السلف ولا التابعين ، ولا القرّاء العالمين ، بل كانت قراءتهم سهلة رسلة . وهكذا نختار لقراء القرآن في أورادهم ومحاربهم . فإما الغلام الرّيّض والمستأنف للتعلّم ، فنختار له أن يؤخذ بالتحقيق عليه ، من غير إفحاش في مدّ أو همز أو إدغام ، لأن في ذلك تذليلا للّسان ، وإطلاقا من الحبسة ، وحلّا للعقدة . وما أقلّ من سلم من هذه الطبقة في حرفه من الغلط والوهم : فقد قرأ بعض المتقدمين : ما تلوته عليكم ولا أدرأتكم به [ يونس : 16 ] فهمز ، وإنما هو من دربت بكذا وكذا . وقرأ : وما تنزلت به الشياطون [ الشعراء : 210 ] توهم أنه جمع بالواو والنون . وقرأ آخر : فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ [ الأعراف : 150 ] بفتح التاء ، وكسر الميم ، ونصب الأعداء . وإنما هو من : أشمت اللّه العدوّ فهو يشمته ، ولا يقال : شمت اللّه العدوّ .
--> ( 1 ) ابن عيينة : هو أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي ، الإمام العالم الزاهد الورع ، ولد بالكوفة سنة 107 ه ، وسكن مكة وقدم بغداد ، وتوفي بمكة سنة 198 ه . ( تاريخ بغداد 9 / 174 - 184 ، وفيات الأعيان 2 / 391 - 393 ) . ( 2 ) بشر بن الحارث : هو بشر الحافي ، توفي سنة 227 ه . ( انظر تاريخ بغداد 7 / 68 - 80 ، ووفيات الأعيان 1 / 248 - 251 ) .